سورة آل عمران مكتوبة كاملة — بخط واضح برواية حفص
200 آية · مدنية· برواية حفص عن عاصم · ثانية الزهراوين · الجزآن ٣–٤ · وفيها الخواتيم العشر
أشهر مواضع السورة
- الخواتيم العشر (١٩٠–٢٠٠) — كان النبي ﷺ يقرؤها إذا قام من الليل (البخاري)
- «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ» (٢٦)
- «أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ… بِبَكَّةَ» (٩٦–٩٧) — في البيت الحرام وفرضية الحج
- «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» (١١٠)
- «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» (١٨٥)
فهرس أقسام السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شارك هذه الصفحة
عن سورة آل عمران
سورة آل عمران هي السورة الثالثة في ترتيب المصحف الشريف، ومن السور المدنية، وتحتوي على 200 آية. وتقع في الجزأين الثالث والرابع: من أولها إلى الآية ٩٢ في الجزء الثالث، ومن الآية ٩٣ إلى آخرها في الجزء الرابع.
وهي ثانية «الزهراوين» مع سورة البقرة، وتشترك معها في الافتتاح بـ«الم» وفي طول النَّفَس وكثرة الأحكام. وإذا كانت البقرة قد قرّرت الاستخلاف وبناء الأمة، فآل عمران تُعالج ثباتَ هذه الأمة على الحق في موضعي ابتلاءٍ اثنين: مجادلة أهل الكتاب في العقيدة، وهزيمة أُحد في الميدان.
وقد نزل صدرها — نحو ثمانين آية — في شأن وفد نصارى نجران الذين قدموا على النبي ﷺ يحاجّونه في عيسى عليه السلام، وفيها المباهلة (٦١). ثم يأتي مقطع أُحد الطويل (١٢١–١٧٩) وهو أطول معالجة قرآنية لغزوةٍ بعينها.
وفيها من أشهر الآيات: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ» (٢٦)، و«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ» (٩٦)، و«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» (١٠٣)، و«كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ» (١١٠)، و«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» (١٨٥)، ثم الخواتيم العشر (١٩٠–٢٠٠).
النص المعروض على هذه الصفحة برواية حفص عن عاصم، وهي الرواية المعتمدة في أكثر بلاد المسلمين، بالرسم العثماني الموافق لمصحف المدينة المنورة.
فضل سورة آل عمران
١. ثانية الزهراوين — تُحاجّان عن صاحبهما
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه. اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان… تُحاجّان عن أصحابهما» (رواه مسلم). و«الزُّهرة» النور والإشراق.
٢. خواتيمها العشر — يفتتح بها قيام الليل
في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات عند خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ من الليل فتوضأ، وقرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم صلّى. فمن السنة أن يستفتح المتهجّد ليله بها ابتداءً من «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ».
٣. وفي أولها موضعٌ ذُكر أن فيه اسم الله الأعظم
عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: «وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ»، وفاتحة سورة آل عمران: «الم اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»» (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وحسّنه الألباني). فافتتاح السورة باسمَي «الحيّ القيّوم» كافتتاح آية الكرسي بهما.
لماذا سُمّيت «آل عمران»؟
سُمّيت باسم آل عمران لقوله تعالى في الآية ٣٣: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»، ثم في الآية ٣٥ في قصة امرأة عمران — أمّ مريم عليها السلام — ونذرها ما في بطنها محرَّراً لخدمة بيت المقدس.
ولا يرد اسم «عمران» في هذه السورة إلا في هذين الموضعين وحدهما، وقد تحقّقنا من ذلك في نصّ السورة المعروض أعلاه. وفي التسمية لفتة: السورة التي تحاجّ النصارى في عيسى عليه السلام سُمّيت باسم بيته من جهة أمه — تقريراً لبشريّة نسبه، وأنه من ذرّية اصطفاها الله كما اصطفى آل إبراهيم.
موضوعات السورة
١. الافتتاح والمحكم والمتشابه (الآيات ١–٩)
«الم اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»؛ ثم تنزيل الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه؛ ثم قاعدة التعامل مع القرآن (٧): «مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ»، وذمّ من يتّبع المتشابه ابتغاء الفتنة؛ ثم دعاء الراسخين: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا».
اقرأ من الآية ١ ←٢. زينة الدنيا وملك الله (الآيات ١٠–٣٢)
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ» ثم «قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ»؛ وصفات المتقين الصابرين الصادقين القانتين «وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ»؛ وشهادة الله «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ»؛ ثم «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ» (٢٦)؛ وآية المحبة: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ».
اقرأ من الآية ١٠ ←٣. آل عمران ومريم وعيسى والمباهلة (الآيات ٣٣–٦٣)
اصطفاء آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران؛ ونذر امرأة عمران، وكفالة زكريا لمريم و«كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا»؛ ودعاؤه فيُبشَّر بيحيى؛ ثم بشارة مريم بعيسى وكلامه في المهد وآياته؛ و«إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ»؛ ثم المباهلة (٦١) مع وفد نجران.
اقرأ من الآية ٣٣ ←٤. أهل الكتاب وأول بيت وُضع للناس (الآيات ٦٤–١٠١)
الدعوة إلى الكلمة السواء «تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ»؛ وأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً بل حنيفاً مسلماً؛ ولبس الحق بالباطل وكتمانه؛ و«لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (٩٢)؛ ثم «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا» وفيه مقام إبراهيم وأمن الحرم وفرضية الحج على المستطيع.
اقرأ من الآية ٦٤ ←٥. الاعتصام وخيرية الأمة (الآيات ١٠٢–١٢٠)
«اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ»؛ ثم «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» مع التذكير بتأليف القلوب بعد العداوة؛ والأمر بأن تكون أمة تدعو إلى الخير؛ ثم «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» معلَّقةً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله؛ والنهي عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين.
اقرأ من الآية ١٠٢ ←٦. مبتدأ قصة أُحد وسنن الله (الآيات ١٢١–١٣٨)
«وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ»؛ وهمّ الطائفتين أن تفشلا والله وليّهما؛ وتذكيرٌ ببدر «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ»؛ والإمداد بالملائكة؛ ثم النهي عن الربا والأمر بالمسارعة إلى مغفرة من الله وجنّةٍ عرضها السماوات والأرض، وصفات المتقين المنفقين الكاظمين الغيظ العافين عن الناس؛ ثم «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ».
اقرأ من الآية ١٢١ ←٧. دروس أُحد والعفو والمشاورة (الآيات ١٣٩–١٦٨)
«وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»؛ و«وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ»؛ وتقرير أن محمداً رسولٌ قد خلت من قبله الرسل — وهي الآية التي تلاها أبو بكر رضي الله عنه يوم وفاته ﷺ؛ وبيان سبب ما أصابهم «حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ»؛ ثم «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ… فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (١٥٩).
اقرأ من الآية ١٣٩ ←٨. الشهداء أحياء وذوق الموت (الآيات ١٦٩–١٨٩)
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»؛ و«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»؛ وذمّ الفرح بالبخل؛ وقولهم «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ»؛ ثم «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» (١٨٥) و«وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ»؛ وأخذ الميثاق على أهل الكتاب لَيُبيّننّه للناس.
اقرأ من الآية ١٦٩ ←٩. الخواتيم العشر (الآيات ١٩٠–١٩٤)
«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ»؛ وصفة أولي الألباب: يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض؛ ثم سلسلة الدعاء المتّصلة: «رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا»، «رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ»، «رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ»، «رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ».
اقرأ من الآية ١٩٠ ←١٠. الاستجابة والوصية الأخيرة (الآيات ١٩٥–٢٠٠)
جواب الدعاء: «فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ»؛ والتحذير من الاغترار بتقلّب الذين كفروا في البلاد «مَتَاعٌ قَلِيلٌ»؛ ثم الوصية التي خُتمت بها السورة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» — أربعة أوامر متدرّجة يُختم بها مقام الثبات كله.
اقرأ من الآية ١٩٥ ←أدعية السورة — «رَبَّنَا» إحدى عشرة مرة
من أظهر خصائص هذه السورة كثرة الدعاء بصيغة النداء «رَبَّنَا»؛ فقد ورد فيها إحدى عشرة مرة — في الآيات ٧ و٨ و٩ و١٦ و٥٣ و١٤٧ و١٩١ و١٩٢ و١٩٣ (مرتين) و١٩٤. وقد تحقّقنا من هذا العدد في نصّ السورة المعروض أعلاه.
واللافت أن خمساً منها تجمّعت في الخواتيم (١٩٠–١٩٤)، فجاء ختام السورة سلسلةَ دعاءٍ متّصلة تبدأ من التفكّر في خلق السماوات والأرض وتنتهي بسؤال المغفرة وتكفير السيئات — وهي التي كان النبي ﷺ يفتتح بها قيام الليل كما في البخاري.
وأشهر أدعيتها: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً» (٨) — ولمناسبته لموضع المحكم والمتشابه قبله فائدة: أن العصمة من الزيغ تُطلب من الله لا يُستغنى عنها بالعلم.
المحكم والمتشابه — قاعدة التعامل مع القرآن
الآية ٧ من أجمع آيات القرآن في منهج فهمه: «مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ». فالمحكم ما اتّضح معناه وهو الأصل الذي يُردّ إليه غيره، والمتشابه ما احتمل وجوهاً أو استأثر الله بعلم حقيقته.
ثم وصفت الآية داءَ من ينحرف: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ» — فالعلّة في القلب أولاً، ثم في المنهج ثانياً: ترك المحكم البيّن وتتبّع المشتبه.
وقد اختلف السلف في الوقف عند قوله «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»: فمن وقف عندها جعل علم حقيقة المتشابه لله وحده، ثم استأنف «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ»؛ ومن وصلها جعل الراسخين داخلين في علم تأويله. والقولان مرويّان عن السلف، ولكلٍّ وجهٌ من اللغة والمعنى، والأمر في ذلك واسع — والمقصود في الحالين واحد: أن الراسخين يؤمنون بالمحكم والمتشابه جميعاً ولا يضربون بعضه ببعض.
آل عمران وأهل الكتاب — كيف حاجّتهم السورة
نزل صدر السورة في وفد نصارى نجران، والمنهج الذي سلكته في محاجّتهم جديرٌ بالتأمّل؛ فهي لم تبدأ بالتشنيع بل بتقرير المشترك: تنزيل الكتاب مصدّقاً لما بين يديه، وإنزال التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس.
ثم عرضت قصة مريم عليها السلام عرضاً مكرّماً — اصطفاءً وتطهيراً وكفالةً ورزقاً في المحراب — وقرّرت في عيسى عليه السلام أنه عبد الله ورسوله وكلمته، وضربت المثل الحاسم: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ» — فإذا كان خلق آدم من غير أبٍ ولا أمّ لم يوجب له بنوّةً، فخلق عيسى من غير أبٍ أولى ألّا يوجبها.
ثم المباهلة (٦١) حين انسدّ باب الحجة: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ… ثُمَّ نَبْتَهِلْ» — وهي احتكامٌ إلى الله لا ابتداءَ عدوان، ولم تقع لأنهم امتنعوا وصالحوا. ثم خُتم المقطع بالدعوة الجامعة: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ» (٦٤).
وأنصفت السورة في الحكم فلم تُعمّم: «لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ» (١١٣) — وهذا من دقّة العدل القرآني: ذمُّ الموقف لا استغراقُ الطائفة.
غزوة أُحد — كيف عالج القرآن الهزيمة
أطول مقاطع السورة (١٢١–١٧٩) في غزوة أُحد، وهو أطول معالجة قرآنية لواقعةٍ بعينها. والمنهج فيه لافت: لم يُخفِ القرآن الهزيمة ولا التمس لها الأعذار، بل سمّى السبب صراحةً: «حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ» (١٥٢).
- تثبيتٌ لا جلد للذات: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (١٣٩).
- وسنّةٌ عامة تُخرج الحدث من الشخصنة: «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ» (١٤٠).
- وتحريرٌ لعقيدة الاتّباع من التعلّق بالأشخاص: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (١٤٤) — وهي الآية التي تلاها أبو بكر رضي الله عنه يوم وفاة النبي ﷺ فثبّت بها الناس.
- ثم العفو عمّن أخطأ لا محاسبته: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (١٥٩) — أمرٌ بالمشاورة بعد أن كانت المشاورة نفسها سبباً في الخروج إلى أُحد.
- وتعزيةٌ في الشهداء: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (١٦٩).
نصائح للقراءة والحفظ
- ابدأ بـالخواتيم العشر (١٩٠–٢٠٠) — فهي أكثر مواضع السورة وروداً في السنة، وكان النبي ﷺ يفتتح بها قيام الليل.
- اقرأها بعد سورة البقرة مباشرةً؛ فهما «الزهراوان» وبينهما تلاحمٌ في الموضوع والافتتاح والخاتمة.
- أصعب مواضع الحفظ هو مقطع أُحد (١٢١–١٧٩) لتشابه فواصله وتداخل ضمائره؛ اربطه بتسلسل الأحداث (الخروج ← المخالفة ← الهزيمة ← التثبيت ← العفو) يسهُل عليك.
- تتبّع مواضع «رَبَّنَا» الإحدى عشرة واحفظها مجموعةً؛ فهي أدعية جاهزة تصلح للسجود وأدبار الصلوات.
- ليس في سورة آل عمران سجدة تلاوة، فلا تتوقّف باحثاً عن موضع سجود فيها.
- استخدم أزرار «حجم الخط» أعلى الصفحة لقراءة مريحة على الجوال.
- يمكنك طباعة السورة من المتصفح (Ctrl+P) لنسخة ورقية نظيفة.
الأسئلة الشائعة
كم عدد آيات سورة آل عمران؟
سورة آل عمران تحتوي على ٢٠٠ آية، وهي السورة الثالثة في ترتيب المصحف الشريف، ومن السور المدنية. وتقع في الجزأين الثالث والرابع: من أول السورة إلى الآية ٩٢ في الجزء الثالث، ومن الآية ٩٣ إلى آخرها في الجزء الرابع.
لماذا سُمّيت سورة آل عمران؟
سُمّيت باسم آل عمران لورود ذكرهم في الآية ٣٣: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»، ثم في الآية ٣٥ في قصة امرأة عمران ونذرها ما في بطنها محرَّراً — وهي أمّ مريم عليها السلام. ولا يرد اسم «عمران» في هذه السورة إلا في هذين الموضعين، وقد تحقّقنا من ذلك في نصّ السورة المعروض هنا.
ما معنى «الزهراوان»؟
هما سورتا البقرة وآل عمران، سُمّيتا بذلك لنورهما وهدايتهما. ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان… تُحاجّان عن أصحابهما». والزُّهرة: النور والإشراق.
ما فضل خواتيم سورة آل عمران؟
الآيات العشر من آخر السورة (١٩٠–٢٠٠) لها شأن خاص في السنة؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات عند خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ من الليل فتوضأ وقرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم صلّى. فكان ﷺ يفتتح بها قيام الليل. وتبدأ بقوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ».
كم مرة ورد دعاء «ربنا» في سورة آل عمران؟
ورد نداء «رَبَّنَا» في سورة آل عمران إحدى عشرة مرة — في الآيات ٧ و٨ و٩ و١٦ و٥٣ و١٤٧ و١٩١ و١٩٢ و١٩٣ (مرتين) و١٩٤ — وقد تحقّقنا من هذا العدد في نصّ السورة المعروض هنا. واللافت أن خمساً منها تجمّعت في خواتيمها (١٩٠–١٩٤)، فجاءت خاتمة السورة سلسلةَ دعاءٍ متّصلة يفتتح بها المتهجّد ليله.
ما معنى المحكم والمتشابه في الآية ٧؟
قال تعالى: «مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ». فالمحكم: ما اتّضح معناه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وهو الأصل الذي يُردّ إليه غيره. والمتشابه: ما احتمل أكثر من وجه أو استأثر الله بعلم حقيقته. وذمّت الآية من يتّبع المتشابه «ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ». وقد اختلف السلف في الوقف عند قوله «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»: فمن وقف عندها جعل علم حقيقة المتشابه لله وحده، ومن وصلها بـ«وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» جعل الراسخين يعلمون تأويله ويقولون آمنّا به. والقولان مرويّان عن السلف، والأمر في ذلك واسع.
ما قصة المباهلة في سورة آل عمران؟
المباهلة في الآية ٦١: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ… ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ». وكانت في شأن وفد نصارى نجران حين حاجّوا النبي ﷺ في عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى المباهلة — أي الدعاء بأن تحلّ اللعنة على الكاذب من الفريقين — فأبَوا وصالحوه. والمباهلة احتكامٌ إلى الله عند انسداد باب الحجة، لا ابتداءَ خصومة.
ما الآيات التي تتحدث عن غزوة أحد؟
أطول مقطع في السورة هو الحديث عن غزوة أُحد، ويمتدّ من الآية ١٢١ إلى نحو الآية ١٧٩، ويبدأ بقوله: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ». وقد عالج القرآن الهزيمة معالجةً تربويةً صريحة: بيّن السبب «حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم»، وثبّت الصفّ «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»، وأمر بالعفو عن المخطئين «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ».
ما معنى «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»؟
هي الآية ١١٠، وتمامها: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ». والخيرية هنا ليست دعوى نسبٍ ولا تفضيلاً مجرَّداً، بل هي معلَّقة بثلاثة أوصافٍ ذُكرت في الآية نفسها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. فمتى تخلّفت الأوصاف تخلّف موجب الخيرية — ولذلك جاءت الآية بعد الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرّق مباشرةً.
أين ذُكرت الكعبة في سورة آل عمران؟
في الآيتين ٩٦–٩٧: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». و«بكة» من أسماء مكة، وفي هاتين الآيتين تقرير أوّليّة البيت الحرام، وذكر مقام إبراهيم، وأمن الحرم، وفرضية الحج على المستطيع.
هل في سورة آل عمران سجدة تلاوة؟
لا، ليس في سورة آل عمران سجدة تلاوة. وقد تحقّقنا من ذلك في نصّ السورة المعروض هنا: لا توجد فيه أيّ علامة سجدة (۩) في آية من آياتها الـ٢٠٠.
ما هي الرواية المعتمدة في النص المعروض هنا؟
النص المعروض على هذه الصفحة برواية حفص عن عاصم، وهي الرواية المعتمدة في أكثر بلاد المسلمين، بالرسم العثماني الموافق لمصحف المدينة المنورة.
روابط ذات صلة
- سورة البقرة مكتوبة كاملة — أولى الزهراوين، والتي قبلها في المصحف
- سورة النساء مكتوبة كاملة — التي بعدها، وفيها آيات المواريث وأحكام الأسرة
- آية الكرسي مكتوبة — تفتتح بـ«الْحَيُّ الْقَيُّومُ» كفاتحة آل عمران
- بث مباشر من الحرم المكي — «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ» (٩٦)
- سورة مريم مكتوبة كاملة — وفيها قصة مريم وزكريا ويحيى مبسوطةً
- سورة الحج مكتوبة كاملة — وفيها شعائر الحج الذي فُرض هنا في الآية ٩٧
- سورة الأنفال مكتوبة كاملة — سورة بدر، والغزوة التي ذكّرت بها آية ١٢٣
- سورة الفاتحة مكتوبة كاملة — أم الكتاب
- إذاعة القرآن الكريم السعودية — للاستماع إلى تلاوة سورة آل عمران